البحر والذاكرة المثقوبة
قصة قصيرة
بقلم : عبد الرحمن هنانو أبو سمراء
الجزائر:فيفري1996
أطال النظر إلى جثته الواهنة ثم قال لصدى غرفته الخالية تقريبا، قال في صمت :(حتى لا يعتقد في نفسه الجنون)
- مجنون من يصدق الدنيا
تشهق عيونه الذاهلة، يرتسم الحزن في خياله، يرى جسده في خلوته الليلية وكأنه مركون بالصدفة كأي شيء رماه بعد انتهاء مدة صلاحيته مستعملوه،أو كلعبة تسلى بها الطفل المدلل ثم تركها إلى حين إياب..
لم يضف شيئا، راح يعاكس الزمان، يغازل وحدته، يرتل آيات أيامه، يباهت ذاكرته المثقوبة.
الغرفة مضاءة، دافئة، الأشياء مصنفة ومنظمة،ماعدا بعض الكتب والأوراق والأقلام ورسائل كتبها إلى أصدقائه ولم يرسلها، بعضها كتبت من مدة لا تقل عن سنة.
مد يده بإعياء، أخذ إحدى الرسائل، كانت لغتها جميلة مملوءة أملا وإشراقا، فيها أشجانه، أحاسيسه، قال سيفصح سيصفح وسيفتح صفحة جديدة…
لم يتم قراءة الرسالة رماها بعنف وقال:
- اللعنة (بعنف، بصوت غائر في الصمت)
….فتحت ذاكرته وسدت ثقوبها.
-البحر جميل يمكنه احتواء أحلامنا، وأن يكنز أسرارنا(قالت عند لقائنا الأول)
-البحر لم يرحم طيبتها، غار من جمالها.
كنا نرتشف فناجين القهوة، وكانت تصر مشاركتي علبة السجائر،وكان البحر يمدنا بنسيمه ومركب القيطاني تلفنا شرفاته، تتحدث فيفوح فوها ورودا وأريجا، كانت تحدثني عن أحلامها عن تفاصيل يومها الجامعي:
قالت لي يوما:
- تصور لو لم يكن في الدنيا بحر كبحرنا هذا… !
لم أكن في تلك الدنيا. لا يمكننا الإحساس بوجودنا بعيدا عن هذا الجمال وهذه العظمة، أحس أنني جزء من هذا البحر
أخذها البحر، توحدت به حبيبتي تصوفت، انتمت إلى البحر، انتهت إليه، في مساء ما ذهبت فيه بفرح وجنون.
ختمت رسالتي ، ختم قلبي ولم تنبس شفتاي، قيل انتحرت، لم تنتظر الوهج الذي سكنني، وأنا أرى غريمي يضمها. لم أعتقد أنه مجنون بجمالها، وأنه لن يرحمها.
لم تتوقف ذاكرته المثقوبة، مضى بقلب يتفطر حسرة على هذه الدنيا التي يراها معرضة عنه إلى نهايتها والناس البائسين.
على ولد سي مبروك الزاوالي( هكذا كان يدعوه أهل بلدته في الحقيقة أنهم جميعا زوالية لكن الأقدار جعلته ينوب عنهم باللقب).
شاب معتدل معروف عنه العقل المستنير والخلق الدمث، قامته قميئة ملفتة للانتباه، بين جوانحه روح خفيفة، وقلب سريع وجيبه كله حيوية ونشاط، يحب الترحال، لا يعرف له مستقر من بلد إلى بلد كان اهنا وامشى يعمل حيث حل لا يعجبه واقعه دائما يرى أن الميزيرية تترصده ولقب أبيه كذلك،أصر على نزعه..(كان مؤمنا أن الفقر ليس عيبا ولكن كاد أن يكون كفرا). لم تجده عبقريته وثقافته الواسعة التي اكتسبها من أسفاره الذكية ومعاشرته الكتب ورجال العلم والثقافة.
مسكين علي لم يكن حظه أحسن من حظي التعيس، بين ليلة وضحاها أصبح إرهابيا. يا هذا الزمان البارد…
علي الرجل الطيب المثقف يصبح قاتلا..مجرما..كنت أخفي ابتسامة عريضة كادت أن تولد تبدي إزدراء وهو يقول:
- سأخلصكم من البيروقراطية والرشوة والتلاعب بمصالحكم،لم أضحك حين ضحك جميع التعساء البائسين. قالوا آنذاك: لعله حصل على خاتم سليمان..!
نوى شرا، لم يخطر على بال أحد..فهم يعرفون علي ولد سي مبروك الزوالي.. !
ظنوا أنه سيقلد منصبا عاليا ينفعهم، علي له معارف (واصلة)، لم يظنوا أنه يبيت على مصيبة ستقع على رأسه ورأس أهله ومعارفه في البلدة المعدمة…
قابعا في مكتبه الوثير حين دخول علي ولد سي مبروك الزوالي غضب الرئيس وصاح في وجهه:
-من سمح لك بالدخول؟
-أنت..
–أنا !!
- نعم .هلا سألت نفسك ،ألم أطلب مقابلتك منذ شهر ولم تسمح لي؟













